ثلاثاء بوعريس قديماً: ذاكرة سوق صنع تاريخ قبائل منطقة إيير بإقليم آسفي
إعداد: سعيد بيار ://
في عمق المجال القروي لإقليم آسفي، وتحديداً بجماعة إيير، يسطع اسم ثلاثاء بوعريس كعلامة فارقة في الذاكرة المحلية، وكموعد أسبوعي ظل لسنوات طويلة محوراً لحياة القبائل المجاورة. لم يكن السوق مجرد فضاء تجاري عابر، بل كان مؤسسة اجتماعية وثقافية واقتصادية متجذرة، شكّلت ملامح مرحلة كاملة وأسهمت في صياغة جزء مهم من التاريخ المحلي.
منذ عقود، كان ثلاثاء بوعريس نقطة التقاء للفلاحين والكسّابة والتجار القادمين من دواوير متعددة مثل: العويسات، أولاد عمران، أولاد احميدة، العكارطة وغيرها.
ومع أول خيوط الصباح كل يوم ثلاثاء، كانت القوافل البشرية تتدفق نحو السوق، في حركة حيوية تنبض بالصخب والضجيج، مصحوبة بالمواشي والمحاصيل الزراعية، محملة بروح التضامن والتعاون التي تميّز المجتمعات القروية التقليدية.
المرتادون اعتادوا على فضاءات متنوعة تضم:
رحبة المواشي: الأغنام، الأبقار، الماعز
أسواق الحبوب: الشعير، القمح، الذرة
خضر وفواكه موسمية تُعرض على بساط الأرض أو داخل محلات تقليدية
منتوجات الصناعة التقليدية: الفخار، الزرابي، الأدوات الخشبية
فضاءات الأعشاب الطبية والمنتوجات المحلية التي تشتهر بها المنطقة
هذا التنوع أعطى للسوق صفة “القطب الاقتصادي” الذي يغذي محيطاً شاسعاً من الدواوير.
لم يكن ثلاثاء بوعريس مجرد فضاء للبيع والشراء، بل كان لافتة اجتماعية كبيرة تلتقي تحتها الأسر، ويتعارف الشباب، وتُناقش هموم القبيلة وشؤونها.
كما كان السوق منصة طبيعية لحل الخلافات عبر الأعراف القبلية، إذ يجتمع الشيوخ ووجهاء المنطقة لإجراء الصلح وإعادة الوئام بين المتخاصمين، في زمن كان فيه القضاء العرفي إحدى أهم أدوات تنظيم الحياة اليومية.
من جهة أخرى، كان السوق قناة رئيسية لتبادل الأخبار والمستجدات، ومكاناً للإعلان عن المواعيد والقرارات الجماعية، خصوصاً في فترة تقلصت فيها وسائل الاتصال الحديثة. وهكذا، تحول إلى وسيلة إعلامية محلية تلعب دور الجرائد والمذياع اليوم.
ارتبطت حياة مئات الأسر اقتصادياً بسوق ثلاثاء بوعريس، إذ مكّنهم من تسويق منتجاتهم الفلاحية والحيوانية، ومنح فرص شغل دائمة وموسمية لعدد كبير من الشباب والحرفيين.
فالحمالون، أصحاب العربات، الجزّارون، باعة الأعلاف، صانعو الأدوات التقليدية، وبائعو الأعشاب… جميعهم وجدوا في السوق مورداً أساسياً للرزق. كما شكّل فضاءً لاكتشاف فرص جديدة وتطوير سبل العيش في منطقة تعتمد أساساً على الفلاحة وتربية الماشية.
ويستذكر قدماء المنطقة كيف كان السوق ينبض بالحياة من الفجر إلى ساعات متأخرة من بعد الظهر، في حركية اقتصادية لا تهدأ إلا بانتهاء البيع وعودة القوافل نحو دواويرها.
في سياق السعي إلى تنظيم المجال القروي وتحسين البنية التحتية، تقرر ترحيل سوق ثلاثاء بوعريس نحو منطقة العكارطة.
ورغم أن الخطوة جاءت بدوافع تنظيمية وتنموية، إلا أنها خلفت ردود فعل متباينة:
فئة اعتبرت أن القرار كان ضرورياً لتسهيل الولوج، تحسين الشروط الصحية، وتنظيم الأنشطة التجارية.
بينما رأى آخرون أن نقل السوق يعني فقدان معلمة تاريخية ارتبط بها الوجدان الجماعي لسنوات طويلة، وفقدان محور اقتصادي عاش عليه عدد من الدواوير.
وقد أدى هذا الترحيل إلى تراجع الحركة التجارية في الدواوير المجاورة للسوق القديم، مقابل انتعاش تدريجي في المنطقة الجديدة.
اليوم، ورغم انتقال نشاط السوق إلى فضاء آخر، ما تزال ذاكرة ثلاثاء بوعريس حية في وجدان سكان إيير. فكل زاوية من زواياه القديمة تختزن قصة، وكل ركن من رحبته يحمل بصمة من تراث المنطقة وعاداتها.
لقد كان السوق فضاءً للتجارة، للتلاقي، لبناء العلاقات، وحاضنة لثقافة قبلية متجذرة. ومع رحيله، بقي حاضراً كجزء من الهوية المشتركة للمنطقة، وكشاهد على مرحلة تكتسي أهمية كبيرة في تاريخ قبائل إيير.
ثلاثاء بوعريس، إذن، ليس مجرد سوقٍ انقضى زمنه، بل ذاكرةٌ حية وكتابٌ مفتوحٌ يروي فصولاً من حياةٍ قروية أصيلة… لا تزال تفاصيلها محفورة في الوجدان، مهما تغيّر المكان وتبدلت الأزمنة.