“محاربة الغش تبدأ من إصلاح التعليم لا من تكثيف الأجهزة والتجهيزات”

مع كل موسم امتحانات، تتجه الأنظار إلى الإجراءات والتدابير التي تعتمدها وزارة التربية الوطنية لمحاربة ظاهرة الغش، والتي أصبحت تشكل تحدياً حقيقياً يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ومصداقية الشهادات. غير أن العديد من المتابعين للشأن التربوي يتساءلون عما إذا كانت المقاربة الأمنية والتقنية وحدها كافية لمعالجة هذه الظاهرة، أم أن الأمر يتطلب إصلاحاً أعمق لمنظومة التعليم من جذورها.ففي الوقت الذي يتم فيه تخصيص ميزانيات مهمة لاقتناء أجهزة وتجهيزات متطورة لرصد وسائل الغش والتشويش عليها، يرى عدد من الفاعلين التربويين أن الأولوية كان من الممكن أن تتجه نحو معالجة الاختلالات البنيوية التي يعاني منها قطاع التعليم منذ سنوات. فالأقسام المكتظة، والنقص في التجهيزات الأساسية، وتفاوت جودة التعليم بين المؤسسات، وضعف التحفيز لدى عدد من المتعلمين، كلها عوامل تساهم بشكل أو بآخر في خلق بيئة تدفع بعض التلاميذ إلى البحث عن النجاح بطرق غير مشروعة.إن محاربة الغش لا ينبغي أن تقتصر على مراقبة التلاميذ داخل قاعات الامتحان، بل يجب أن تبدأ من داخل الفصول الدراسية عبر ترسيخ قيم النزاهة والاستحقاق والعمل الجاد. فالتلميذ الذي يتلقى تعليماً جيداً ويشعر بالإنصاف داخل المنظومة التعليمية يكون أكثر اقتناعاً بقدراته وأقل ميلاً إلى اللجوء إلى أساليب الغش.كما أن إصلاح التعليم يظل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد، ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد. فكل درهم يُصرف على تحسين جودة التعليم، وتأهيل المؤسسات، وتطوير المناهج، وتكوين الأطر التربوية، هو استثمار في مستقبل الوطن وفي أجياله القادمة.ولا أحد يجادل في أهمية التصدي للغش وحماية نزاهة الامتحانات، غير أن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب تبقى حلاً جزئياً. فالغش ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل هو في كثير من الأحيان انعكاس لمشاكل أعمق تتعلق بالمنظومة التعليمية وبالثقافة المجتمعية المحيطة بها.إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في اقتناء أجهزة أكثر تطوراً لمحاربة الغش، بل في بناء مدرسة عمومية قوية، عادلة وذات جودة، تجعل التلميذ يؤمن بأن النجاح ثمرة الاجتهاد والمعرفة وليس نتيجة التحايل والالتفاف على القوانين. فإصلاح التعليم من الجذور يظل الطريق الأقصر نحو القضاء على الغش، وبناء جيل قادر على المنافسة والإبداع والمساهمة في تنمية الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *