وزارة الداخلية تُطلق ورشاً إصلاحياً شاملاً لقطاع سيارات الأجرة: نحو حكامة حديثة واستعدادات لكأس العالم 2030

في خطوة وُصفت بالمفصلية في مسار تحديث منظومة النقل الحضري، تتجه وزارة الداخلية إلى تنزيل إصلاح وطني شامل لقطاع سيارات الأجرة بالمغرب، يهدف إلى إعادة هيكلة هذا المجال الحيوي، وتعزيز حكامته، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وذلك في سياق التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يعرفها القطاع، وكذا استعداداً للاستحقاقات الدولية الكبرى، وعلى رأسها احتضان المملكة لكأس العالم 2030.ويقوم هذا الورش الإصلاحي على اعتماد مقاربة جديدة ترتكز أساساً على تحديث آليات الترخيص، من خلال تعويض “رخص الثقة” التقليدية ببطاقات إلكترونية ذكية، موحدة الصلاحية لمدة خمس سنوات، بما يسمح بضبط هوية السائقين، وتتبع مسارهم المهني، وتعزيز الشفافية في منح وتجديد التراخيص. ويُنتظر أن يشكل هذا التحول الرقمي خطوة نوعية نحو القطع مع الممارسات التقليدية التي طالما شابت القطاع.وفي جواب كتابي لوزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، على سؤال برلماني، تم الكشف عن حزمة من الإجراءات التنظيمية الجديدة، في مقدمتها حصر استغلال سيارات الأجرة في المهنيين الفعليين، ومنع تجديد العقود لفائدة المستغلين غير المهنيين، إلى جانب إقرار مبدأ “رخصة واحدة لكل شخص”، وهو ما يُرتقب أن يضع حداً لظاهرة الريع المرتبط بتعدد المأذونيات.كما تشمل الإصلاحات إحداث سجلات محلية خاصة بالسائقين، تُعنى بتنظيم العلاقة التعاقدية بين السائقين وأصحاب المأذونيات، وتسهيل عمليات المراقبة والتتبع الإداري. وتوازي هذه التدابير مقاربة أمنية وتنظيمية أكثر صرامة، تروم فرض احترام التسعيرة القانونية، وضمان التقيد بمعايير الجودة والسلامة، بما يعزز ثقة المرتفقين ويرتقي بصورة القطاع.غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تفتح نقاشاً واسعاً داخل الأوساط المهنية والنقابية، حول مدى قدرتها على إحداث قطيعة حقيقية مع الاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع منذ عقود. ففي هذا السياق، يؤكد فاعلون مهنيون أن الإصلاح الحقيقي يقتضي توفر “جرأة سياسية” كفيلة بإعادة النظر في نظام المأذونيات، الذي يُعد أحد أبرز مظاهر اقتصاد الامتياز، داعين إلى مأسسة القطاع وإخضاعه لمنطق المقاولة المنظمة، بدل الاستمرار في حلول جزئية.من جهة أخرى، يبرز تحدي المنافسة التي تفرضها التطبيقات الذكية للنقل، والتي أفرزت واقعاً جديداً يتسم بانتشار ما يُعرف بـ”النقل السري”، في ظل غياب تأطير قانوني واضح لهذه الخدمات. وقد أدى هذا الوضع إلى توترات متزايدة بين المهنيين النظاميين والمشتغلين خارج المنظومة القانونية، ما يطرح بإلحاح ضرورة إدماج الحلول الرقمية ضمن رؤية إصلاحية متكاملة توازن بين الابتكار وحماية الحقوق المهنية.ويستند الإطار القانوني الحالي للقطاع إلى الظهير الشريف لسنة 1963، الذي نظم أصناف سيارات الأجرة، وهو ما يجعل العديد من المتتبعين يعتبرون أن الزمن قد تجاوزه، في ظل التحولات العميقة التي يعرفها مجال النقل الحضري على الصعيد العالمي. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لهذا الإطار، بما يواكب التطورات الراهنة ويستجيب لتطلعات المواطنين.وفي هذا السياق، تعتزم وزارة الداخلية إنجاز دراسة وطنية شاملة لتشخيص واقع القطاع، عبر إشراك مختلف المتدخلين، من مهنيين ونقابات ومواطنين وخبراء، بهدف بلورة نموذج جديد للنقل الحضري، قائم على الحكامة الجيدة، والنجاعة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية.إن الرهان اليوم لا يقتصر فقط على تنظيم قطاع سيارات الأجرة، بل يتعداه إلى بناء منظومة نقل حضري حديثة، قادرة على الاستجابة لتحديات المستقبل، وتعكس صورة مغرب متطور ومنفتح، خاصة في ظل الاستعداد لاحتضان تظاهرات دولية كبرى. وبين الطموح الإصلاحي وإكراهات الواقع، يبقى نجاح هذا الورش رهيناً بمدى القدرة على تنزيله بشكل فعّال، وشامل، وعادل، يوازن بين مصلحة المواطن وحقوق المهنيين، ويؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ النقل الحضري بالمملكة.