هدم دوار الشامة والزكاورة بعين الشق… نهاية “الكريان” وبداية تحول حضري واعد

في مشهد يجسد تحوّلاً نوعياً في مسار التنمية الحضرية بمدينة الدار البيضاء، شهدت عمالة مقاطعة عين الشق تنفيذ عملية هدم واسعة استهدفت دوار الشامة والزكاورة، أحد أقدم التجمعات السكنية العشوائية التي ظلت لسنوات طويلة عنواناً لما يُعرف محلياً بـ”الكريان”. هذه الخطوة تأتي ضمن استراتيجية متواصلة تروم القضاء على السكن غير اللائق، وإعادة رسم ملامح المجال الحضري وفق رؤية حديثة تراعي كرامة المواطن وتستجيب لمتطلبات العيش الكريم.على مدى عقود، شكّل دوار الشامة والزكاورة فضاءً سكنياً هشّاً، حيث عانت الساكنة من غياب أبسط مقومات البنية التحتية، من طرق معبدة وشبكات صرف صحي، إلى نقص حاد في التجهيزات والخدمات الأساسية. ومع تزايد الكثافة السكانية، تفاقمت الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية، ما جعل التدخل العمومي ضرورة ملحة لوقف تدهور الأوضاع وتحسين ظروف العيش.عملية الهدم، التي جرت في ظروف تنظيمية محكمة، لم تكن مجرد إجراء لإزالة البنايات العشوائية، بل جاءت كمرحلة أساسية ضمن ورش متكامل لإعادة تأهيل النسيج الحضري. فقد واكبتها عملية إعادة إيواء شاملة، مكّنت عدداً من الأسر المستفيدة من الولوج إلى شقق ضمن مشاريع السكن الاقتصادي، خاصة على مستوى سيدي معروف، في خطوة تهدف إلى ضمان الاستقرار الاجتماعي وتوفير بدائل سكنية لائقة تحفظ كرامة المواطنين.ويعكس هذا الورش الحضري تحوّلاً في المقاربة المعتمدة لمعالجة إشكالية السكن غير اللائق، حيث لم يعد الأمر يقتصر على حلول ظرفية، بل بات يرتكز على رؤية شمولية تقوم على إعادة الإسكان، وإدماج الساكنة في بيئة حضرية منظمة، قادرة على توفير شروط العيش الكريم. كما تساهم هذه العمليات في تحسين جمالية المدينة وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، بما يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتنمية المحلية.غير أن هذا التحول، رغم أهميته، يطرح تحديات حقيقية مرتبطة بمرحلة ما بعد إعادة الإيواء. فنجاح العملية لا يُقاس فقط بإزالة دور الصفيح، بل بمدى قدرة الساكنة على الاندماج داخل محيطها الجديد. وهو ما يستدعي مواكبة اجتماعية واقتصادية فعالة، تشمل تعزيز البنيات التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، إلى جانب إحداث فضاءات اجتماعية وثقافية تستجيب لتطلعات مختلف الفئات، خاصة فئة الشباب.كما يظل الرهان الأكبر مرتبطاً بضمان استدامة هذه الجهود، عبر اعتماد تخطيط حضري محكم يحدّ من عودة مظاهر السكن العشوائي، من خلال تشديد المراقبة، وتوفير عرض سكني متنوع وميسر، وإشراك مختلف الفاعلين، من سلطات محلية ومجتمع مدني، في بلورة حلول مبتكرة ومستدامة.ولا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي الإيجابي لهذه المبادرات، إذ تساهم بشكل مباشر في تحسين الظروف الصحية والنفسية للأسر المستفيدة، وتعزز الشعور بالأمان والاستقرار والانتماء، وهي عناصر أساسية لأي تنمية حقيقية ومستدامة.إن هدم دوار الشامة والزكاورة بعين الشق لا يمثل فقط نهاية مرحلة من السكن الهش، بل يشكل بداية مسار جديد نحو مدينة أكثر تنظيماً وعدالة مجالية. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهيناً باستمرارية الإصلاحات، وضمان مواكبة فعالة للساكنة، بما يكرّس حق المواطن في السكن اللائق، ويؤسس لبيئة حضرية متوازنة تستجيب لطموحات الحاضر وتحديات المستقبل.