حي “بين المدن”.. دعوة إلى تفعيل الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة

في الوقت الذي تظل فيه التوجيهات الملكية السامية الصادرة في 14 أكتوبر 2016 مرجعية أساسية لإصلاح الإدارة المغربية، عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقريب الإدارة من المواطن، تبرز الممارسات الميدانية بحي “بين المدن” التابع لإقليم عين الشق فجوة واسعة بين النصوص التنظيمية الطموحة وواقع التدبير اليومي، حيث تتحول الفوضى العمرانية إلى مشهد يومي تحت أنظار جهات المراقبة.

ففي هذا الحي الذي يشهد تحولات سكانية متسارعة، تواترت المعطيات الميدانية عن ممارسات باتت تشكل تجاوزات هيكلية في قطاع التعمير، أبرزها البناء العشوائي على الأسطح وإضافة شقق غير قانونية دون أدنى ترخيص، فضلاً عن تغيير التصاميم الهندسية الأصلية للعمرات، حيث يتم تقسيم الشقق الكبرى إلى وحدتين صغرى، بهدف تعظيم الريع الكرائي، دون التقيد بالمعايير التقنية أو شروط السلامة، الأمر الذي يطرح إشكالية تتعلق بسلامة البنايات وحقوق المستأجرين.

تواطؤ رقابي واستغلال للنفوذ

غير أن اللافت في هذه الممارسات، وفق ما يثيره متتبعون للشأن المحلي، هو أنها تمتد وتتفاقم في غياب أي رادع زجري، وكأنها تخضع لحماية غير معلنة، في ظل تقاعس أو تواطؤ من طرف بعض المحسوبين على أجهزة المراقبة، الذين تبدو أعينهم مغمضة أمام هذا التشوه العمراني المتصاعد، مما يعمق حالة الإحباط لدى المواطنين الملتزمين بالقانون، ويفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول مدى حيادية ونزاهة المرفق الرقابي.

ولا تقف التجاوزات عند حدود البنايات الخاصة، بل تمتد لتشمل الاستيلاء على الملك العمومي، حيث يجري التعدي على الأرصفة والفضاءات المشتركة، في مشهد يكرس ثقافة اليد العليا والفوضى، دون أي تدخل يذكر من الجهات الوصية، وهو ما يتنافى مع روح المصلحة العامة التي كرسها الخطاب الملكي كأساس لأي تدبير عمومي.

ترميمات عشوائية تفضح غياب التخطيط

وتضاف إلى هذه الملفات، فضيحة ترميم الشوارع والأزقة بالحي، حيث تشير المعاينات الميدانية إلى عمليات رصف وتعبيد تفتقر إلى أي حس تخطيطي أو تقني، وتنفذ بشكل عشوائي، دون احترام للمواصفات أو المعايير الجمالية والعملية، مما يجعلها سرعان ما تعود إلى حالة سيئة، وكأنها استنزاف للمال العام دون جدوى، وسط غياب تام للمراقبة التقنية والمحاسبة اللاحقة.

إلى متى تبقى الفجوة بين المرجعية والواقع؟

ويطرح هذا الواقع المتراكم بحي “بين المدن” سؤالا جوهريا: إذا كانت التوجيهات الملكية واضحة في الدعوة إلى القطع مع البيروقراطية والتهاون، وإذا كانت القوانين الزجرية للتعمير تحدد العقوبات الرادعة، فكيف استمرت هذه التجاوزات لعقود تحت مرأى ومسمع من الجميع؟ وكيف يمكن تفسير استمرار الممارسات غير القانونية في ظل وجود مسؤولين كل في موقعه مفترض أنهم “مطالبون بأداء واجبهم بكل مسؤولية ونزاهة”، على حد تعبير الخطاب الملكي؟

إن هذه الوقائع لا تستهدف التشكيك في المؤسسات بقدر ما تهدف إلى كشف التناقض بين الأهداف السامية للإصلاح الإداري وتعقيدات الممارسة اليومية، حيث تتحول الأوراق الرسمية إلى طلاسم لا تجيب عن أسئلة المواطن، وتتحول الرقابة إلى مجرد شكل باهت لا يردع ولا يحاسب.

في خضم هذه التجاذبات، يبقى المواطن المغربي بحي “بين المدن” وفي كل شبر من هذا الوطن، هو الضحية الأولى لتلك السياسات المزدوجة، حيث تبقى ملفاته عالقة بين رفوف الإدارة، وتظل حقوقه في سكن لائق وفي بيئة عمرانية منظمة حقا مهدورا.

إن النهج الدبلوماسي لا يعني أبدا الصمت على الفساد المستشري أو التغاضي عن الخروقات، بل يعني التعبير بالحكمة والموضوعية عما يعانيه الناس، آملا في أن تلتفت السلطات المعنية – وفي مقدمتها ولاية الجهة، وعمالة عين الشق، والمصالح التقنية المختصة – إلى هذه المعاناة، وأن تفتح تحقيقا جادا وشفافا لوضع حد لهذه الانفلاتات.

فإلى متى تظل هذه التجاوزات مكشوفة تحت أشعة الشمس، بينما تبقى الحلول حبيسة الأدراج؟ وإلى متى يظل المواطن يدفع ثمن تقاعس من يفترض فيهم حماية القانون؟

إن إصلاح الإدارة، كما أرادته الرؤية الملكية، يبدأ من هذه التفاصيل الصغيرة، من هذا الحي، من حق أسرة في مسكن آمن، ومن حق مجتمع في شوارع لائقة ورقابة عادلة. ولن تتحقق الثقة بين المواطن والمؤسسات إلا حين يشعر كل مغربي أن القانون واحد للجميع، وأن المحاسبة لا تعرف المحسوبية، وأن الغد سيكون حتما أفضل مع الرؤية الملكية السامية اللهم احفظ مولانا صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأدم عليه نعمة الصحة والعافية، ووفقه لما فيه خير البلاد والعباد، واجعله فخرا وملاذا لهذه الأمة، واحفظ المغرب وأهله، وأدم عليه الأمن والاستقرار والرخاء. آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *